رأي

منار زاهر تكتب: ليس ميلا لأحدهما ولا دعما للآخر.. بل حبا في معادن أوكرانيا النادرة

“حب الصفقات”، هي غريزة لم تعد سرية بعد أن تحكمت في شخص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دفعه إخلاصه لنزعة “أمريكا أولا” لجعله يرتب أولوياته الخارجية حتى لا يهدر وقتا فيما لا طائل من وراءه. نضيف هذا إلى ذاك في معادلة جمعية فنخرج بسؤال حول سر اهتمام ترامب بإنهاء الحرب الأوكرانية؟ وأين تكمن الصفقة؟

ترامب يراوح بين بوتين وزيلينسكي

توعد ترامب قبل انتخابه بإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال يوم واحد، وقد مر نحو 200 يوم منذ تولي الرئيس ترامب ولايته الثانية ولا تزال الحرب دائرة بين روسيا وأوكرانيا مع مصير ضبابي ومجهول حول نهايتها.
بدأ ترامب أولا يتحسس الخطى نحو جس النبض الروسي وقياس موقف موسكو من التسوية والسلام، عقدت الولايات المتحدة محادثات مباشرة مع روسيا، قالت واشنطن بعدها إنها لمست من موسكو إيجابية ورغبة في التسوية، حتى أن الولايات المتحدة وروسيا استغلتا تلك الفرصة لتصحيح نمط العلاقة العدائية بين البلدين التي كرستها إدارة بايدن وانخرطت واشنطن وموسكو في حديث دبلوماسي ثنائي.

بعد ذلك توسطت إدارة ترامب في محادثات غير مباشرة بين روسيا وأوكرانيا استضافتها الرياض، تبع ذلك أحداث فسرت بأنها تصب في صالح روسيا وأنه ميل أمريكي واضح نحو بوتين. استقبل ترامب الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض في لقاء قيل في أقل وصف له بأنه كارثي، أحرج ترامب ووزرائه الرئيس الأوكراني ونزعوا عنه غطاء القوة وأظهروه في موقف ضعف وساوموه على الرضوخ، ثم لم تلبث إدارة ترامب أن أوقفت دعمها العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا، ثم أعادته على نطاق ضيق.

في المقابل قدم ترامب مقترح لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوما ولم تستجب روسيا، وتحدث إلى بوتين هاتفيا، وكان يبدي صبرا طويلا على تصلب التعاطي الروسي حتى تبين أن صبره قد نفد، فتغيرت لهجته نحو بوتين، قال بأنه خيب أمله وأنه سيفرض عقوبات عليها وعلى الدول المستوردة للنفط الروسي، وأمهلها 50 يوما للتوصل إلى اتفاق، ثم عاد وقلص المهلة المسموحة إلى 10 أيام، هذا بعد أن كان قد وافق على دعم كييف بأنظمة باتريوت تدفع ثمنها أوروبا والناتو، وهي أنظمة دفاع جوي، كانت أوكرانيا تلح في طلبها منذ مدة. كانت هذه معطيات جديدة في معادلة تعامل ترامب مع الحرب الروسية الأوكرانية، هل انقلب ترامب ضد بوتين لصالح أوكرانيا؟ هل هو تغير استراتيجي أم تكتيكي؟
الحقيقة أن ترامب لا يميل لأحد ولا يدعم أحد،، ترامب يميل إلى الصفقة. لقد سأم ترامب من مواصلة الحرب دون نهاية في الأفق، ثمة مصلحة اقتصادية كبرى معطلة بسبب هذه الحرب، يريد ترامب تعجيل إنهاء الحرب للشروع في الاستفادة من تلك الصفقة التي وقع عقدا ابتدائيا وتمهيديا من أجلها، لذلك حينما اسعتمل جزرة الدبلوماسية مع روسيا ولم تجني ثمارها، أخرج من جعبته عصى العقوبات ثم اتجه نحو أوكرانيا ليدعمها ليزيد الضغط على موسكو، ويجعل كييف تتفاوض من موقع قوة إذا ذهب الطرفان إلى مفاوضات حقيقية وليست شكلية وإنسانية كالجلسات الـ3 الماضية بينهما. لكن ما هي تلك الصفقة التي ينتظرها ترامب بعد انتهاء الحرب؟

ترامب - بوتين - زيلينسكي

ترامب – بوتين – زيلينسكي

المعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا

يوجد بأوكرانيا 25 من أصل 32 معدن استراتيجي وفقا للاتحاد الأوروبي، بما يعادل نسبة 5% من المعادن الأرضية النادرة الموجودة بالعالم، وتتنوع هذه المعادن بين الليثيوم، الكوبالت، النيكل، الجرافيت، وغيرهم جميعها معادن حيوية وتستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وصناعة الدفاع وكذلك في صناعات الطاقة الخضراء.
تملك أوكرانيا أحد أكبر احتياطات الليثيوم بأوروبا بما يقدر بـ500 ألف طن، وتملك أيضا أكبر احتياطي تيتانيوم بأوروبا و20% من الجرافيت بالعالم، إلى جانب نسب متفاوتة من رواسب المعادن النادرة الأخرى. يقول مسؤولون أوكران إن ما تملكه كييف من معادن أرضية نادرة يقدر بنحو 12 تريليون دولار، دوّت هذه الجملة الرنانة في آذان الساسة الأمريكيين، فلم يكذبوا خبرا..!
“ليندسي جراهام” النائب الجمهوري وحليف ترامب الرئيسي قال “إذا ساعدنا أوكرانيا الآن، فقد تصبح أفضل شريك تجاري نحلم به على الإطلاق. يمكن لأوكرانيا والغرب استخدام هذه الأصول المعدنية الحيوية بدلا من إعطاءها لبوتين والصين”.
ظلت صفقة المعادن تراوح مكانها بين ترامب وزيلينسكي لنحو 3 أشهر حتى تم توقيعها أخيرا في مايو، تمنح هذه الاتفاقية للولايات المتحدة الحق في الوصول المتكافئ مع أوكرانيا إلى المعادن الارضية النادرة 50/50 ويقول عنها ترامب: أموالنا في مأمن، ويمكننا البدء بالحفر. الوجود الأمريكي سيمنع الكثير من الجهات الخبيثة من الدخول”.

اتفاق المعادن النادر.. صفقة ترامب الرابحة

صحيفة التلغراف ذكرت وفقا لنسخة من مسودة الاتفاق حصلت عليها:
– واشنطن وكييف يشكلان صندوق استثمار مشترك لضمان “عدم استفادة الأطراف المعادية في الصراع من إعادة إعمار أوكرانيا”
– الاتفاقية تغطي القيمة الاقتصادية المرتبطة بموارد أوكرانيا، بما في ذلك الموارد المعدنية، موارد النفط والغاز، الموانئ، والبنية التحتية الأخرى
– الولايات المتحدة ستستحوذ على 50% من الإيرادات التي تتلقاها أوكرانيا من استخراج الموارد، و50% من القيمة المالية لجميع التراخيص الجديدة التي تصدر لأطراف ثالثة في المستقبل.
– سيكون هناك رهن على تلك الإيرادات لصالح الولايات المتحدة
ووصف كاتب المقال بأن هذه الصفقة بمثابة استعمار اقتصادي أمريكي لأوكرانيا، بشكل قانوني ودائم.
وكأن ترامب مهد التربة قبل زراعتها، مهد بتلك الخطوات الاستباقية ليشرع بعد انتهاء الحرب بالتحرك الفعلي في استخراج تلك المعادن وجني ثمارها بموجب تلك الصفقة، وكلما اقترب وقت إنهاء الحرب اقترب وقت دخول أمريكا للاستثمار في إعادة إعمار أوكرانيا والاستثمار في مواردها الناردة.
يُذكر بأن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية حددت 50 معدنا أساسيا للولايات المتحدة تملك أوكرانيا وحدها حوالي 12 معدنا منهم. تستورد الولايات المتحدة نحو 70% من المعادن النادرة من الصين، وبعد الحرب التجارية بينهما وموجة الرسوم المرتفعة المتبادلة والقيود التي فرضتها الصين على صادراتها من المعادن النادرة إلى واشنطن، باتت الحاجة ملحة لدى الولايات المتحدة في البحث عن بدائل في ظل المنافسة مع الصين، حيث تملك الصين أكبر احتياطي للمعادن بالعالم، وتأتي روسيا في المرتبة الرابعة عالميا.

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر مشاهدة

Exit mobile version