كتب: إيمان الملكي
في مثل هذا اليوم من عام 1957، دخل العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح واستكشاف الفضاء، بعدما أعلن الاتحاد السوفيتي عن نجاحه في اختبار أول صاروخ باليستي عابر للقارات في التاريخ، وهو الصاروخ الشهير “آر-7″، الذي انطلق من قاعدة بايكونور الفضائية في كازاخستان، ليشكل نقطة تحول كبرى في موازين القوى العسكرية والسياسية خلال الحرب الباردة.
وبحسب الوثائق التاريخية، فقد جرت التجربة الفعلية في 21 أغسطس 1957، بينما أعلن عن نجاحها رسمياً بعد خمسة أيام، في 26 أغسطس، ليبدأ فصل جديد من المنافسة بين القوتين العظميين آنذاك “الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة”.
بدأت قصة تطوير الصاروخ “آر-7” في أواخر أربعينيات القرن الماضي، بقيادة مهندس الفضاء السوفيتي الشهير “سيرجي كوروليوف” بعد إدراك موسكو أهمية امتلاك صاروخ متعدد المراحل قادر على حمل رؤوس نووية حرارية لمسافات بعيدة، خاصة بعد القصف الأمريكي لمدينتي هيروشيما وناجازاكي عام 1945.
أسندت مهمة التصميم رسمياً إلى مكتب “أوكب-1” في 20 مايو 1954، وبدأ العمل على تصنيع صاروخ قادر على قطع مسافة تصل إلى 8 آلاف كيلومتر، مع إمكانية حمل رأس حربي يزن نحو 3 أطنان. تكون “آر-7” من مرحلتين رئيسيتين، وكان مزوداً برأس حربي قابل للانفصال، ما جعله آنذاك إنجازاً تقنياً غير مسبوق.
بدأت الاختبارات الأولية في 15 مايو 1957، ولم ينجح الصاروخ في تحقيق أهدافه إلا في التجربة الرابعة يوم 21 أغسطس 1957، عندما قطع المسافة المقررة ووصل إلى الهدف بنجاح تام.
وبعد نجاحه، أدخل الصاروخ في الخدمة ضمن قوات الصواريخ الاستراتيجية السوفيتية، بينما أطلق عليه حلف شمال الأطلسي اسم “SS-6 Sapwood”. ومنذ ذلك الحين، أصبح “آر-7” رمزاً للقوة العسكرية السوفيتية وواحداً من أهم الإنجازات الهندسية في القرن العشرين.
منذ بداية الستينيات وحتى نهاية عام 1968، أدخلت تعديلات عديدة على تصميم الصاروخ، شملت زيادة مداه من 6500 كيلومتر إلى نحو 9500 كيلومتر، إضافة إلى تحسين أنظمة الملاحة وتزويده بتقنيات جديدة للتحكم في الانفصال ودقة إصابة الأهداف.
ولم يكن الهدف من تطوير “آر-7” عسكرياً فقط، بل تحول الصاروخ إلى الأساس الذي اعتمدت عليه موسكو في إطلاق عائلة كاملة من مركبات الفضاء، منها:
- فوستوك: أول مركبة حملت إنساناً إلى الفضاء.
- فوسخود: التي ساعدت في تنفيذ أول رحلة فضائية متعددة الركاب.
- سويوز: التي ما زالت حتى اليوم أحد أعمدة استكشاف الفضاء الروسي.
نجاح “آر-7” لم يمنح الاتحاد السوفيتي تفوقاً عسكرياً فقط، بل فتح الطريق أمام الريادة في مجال الفضاء، إذ أطلق بواسطته:
- سبوتنيك 1: أول قمر صناعي في مدار الأرض عام 1957.
- مركبة حملت الكلبة “لايكا”، أول كائن حي يدور حول الأرض.
- مركبة فوستوك 1، التي حملت رائد الفضاء يوري جاجارين في أول رحلة بشرية إلى الفضاء عام 1961.
واليوم، وبعد مرور 68 عاماً على إطلاقه، يُعد “آر-7” الجد المؤسس لمعظم مركبات الإطلاق الروسية الحديثة، إذ لا تزال صواريخ سويوز وسويوز-2 المستمدة من تصميمه تعمل حتى الآن بنجاح، بعد أن تجاوز عدد عمليات الإطلاق استناداً إلى هذا التصميم 2000 عملية، ما جعله واحداً من أكثر الصواريخ موثوقية في العالم.
اقرأ أيضًا: